Memuat...

استراتيجية التمكين لأنصار شريعة رب العالمين

Saif Al Battar
Selasa, 14 Juni 2011 / 13 Rajab 1432 14:21
استراتيجية التمكين لأنصار شريعة رب العالمين
استراتيجية التمكين لأنصار شريعة رب العالمين


كان من أكثر المشاهد التي استوقفتني في الثورات العربية لافتة رفعها أحد البسطاء المصريين وكتب عليها الآية الكريمة ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) ولا أدري إن كان ذلك المصري هو فيلسوف الثورة أم لا ولكني أعتقد أنه الوحيد الذي استشعر حقيقة الأمر ! فمنذ انقداح الشرارة الأولى للثورات العربية في سيدي بوزيد ونحن أمام موجة غضب عنيفة لا يصمد أمامها شيء .. موجة تحمل في ثناياها عوامل الثبات والإستمرار .. موجة كلما قمعت كلما ازدادت عنفا .. موجة لم ينفع معها أي تنازلات أو حلول وسط أو حتى عنف مضاد !!
والحقيقة أن العرب ومنذ دخولهم في الإسلام لم يتوافقوا على أمر مثل ما توافقوا عليه الآن من ضرورة إسقاط هذه الأنظمة مهما كلف الأمر وهذا التوافق العجيب ماهو إلا آية من آيات الله عز وجل وليس من تخطيط البشر في شيء وهذا في ظني ما دعى ذلك المصري أن يرفع مثل تلك اللافتة ! وهذا ما دعاني إلى التوقف عن الكتابة لفترة من الوقت حتى أستوعب طبيعة الحدث وما يمكن أن ينتج عنه خاصة أن الكثير منا كان يتخوف من تأثيرات الثورات العربية على التيار الجهادي كفكر ومنهج وأسلوب للتغير إلى الأفضل فخرجت بعدة تصورات مفادها أن الثورات العربية في محصلتها النهائية ما هي إلا كيوم " بعاث " الذي قتلت فيه صناديد الأوس والخزرج واضطربت فيه موازين القوى في المدينة ليفتح المجال بعد ذلك أمام أي قوة فتية تصلح للقيادة وتستطيع ملأ الفراغ فكان الأمر كما وصفته عائشة رضي الله عنها: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم . أخرجه البخاري


وفي ظل هذا التصور قمت بدراسة أولية عن أكثر المسارح المهيأة جغرافيا وبشريا لإستثمار مثل تلك الأوضاع المرتقبة والتي ستكون سمتها الأولى .. الفوضى في كل شيء .. فوضى تعم المنطقة العربية برمتها وتؤدي إلى توازن القوى الداخلية في كل بلد ودخولها في صراع طائفي وقبلي وسلطوي بحيث لا تستطيع أي قوى إقليمية أو دولية التعامل مع هذا الحجم التاريخي من الفوضى العارمة ! وتوصلت حينها أن اليمن هي البوابة الإستراتيجية الوحيدة التي يمكن من خلالها أن نقطف ثمرة الأوضاع الجديدة وقد كنت أفضل طوال الشهور الماضية الجلوس على مقاعد المراقبة من بعيد ولكن الأحداث الأخير في محافظة ( أبين ) شجعتني على أن أبين مدى أهمية وجدية هذه النقلة الحيوية للمسار الإستراتيجي العام للصراع مع الغرب وأنظمته العميلة ، فما أقدم عليه مقاتلوا أنصار الشريعة في مدينة جعار ومن بعدها زنجبار لم يكن تكتيك طارئ وتحصيل حاصل وإنما جاء نتيجة لإعداد وتخطيط وقراءة سليمة لمرحلة جديدة استوجبت ذلك ولا يعني ذلك أن المجاهدين قد استعجلوا شيئا قبل أوانه فإن مسألة بناء وإعداد كوادر جيش - عدن أبين - قد تم الشروع فيها قبل أن تندلع الثورات العربية بمدة طويلة ومن يرجع لخطاب المسؤول العسكري قاسم الريمي في صيف 2010 والذي أعلن فيه عن وضع اللبنات الأولى لجيش عدن أبين يعرف ذلك جيدا ، هذا من جانب الإعداد العسكري أما على صعيد الخارطة العسكرية فقد كان اختيار منطقة "أبين" لبدء التحرك العسكري مبنيا على اعتبارات قدمت طبيعة المنطقة البشرية على طبيعتها الجغرافية والتي كان من الممكن أن يتم بدء العمليات في منطقة أفضل منها من ناحية التضاريس الجغرافية التي تساعد من يريد الإحتماء بها والقتال من خلالها كما هو حال الحوثيين في جبال صعده فتلك الجبال الوعرة قد ساعدتهم كثيرا في حروبهم الستة مع الجيش اليمني ومن ثم السعودي ، وقد جاء ترحيب أهالي جعار بالمجاهدين واحتظانهم لهم بعد دخول المدينة في يوم السبت 26 - 3 - 2011 دليل صحة على ذلك الإختيار المدروس بعناية وهذا ما شجع قيادة الأنصار إلى التوجه نحو زنجبار بعد أن روضوا دفاعاتها ببعض الغارات وبعد أن استكملوا الخطوات الإستخبارية اللازمة فسقطت المدينة بهجمات خاطفة ومتزامنة وفي سويعات قليلة في وسط ذهول محلي وإقليمي ودولي من جرأة وقوة المجاهدين حتى ظن البعض أن الجيش اليمني قد قام بتسليم المدينة للمجاهدين دون قتال !!

أما المؤشر الثالت على صحة هذه الخطوة فهو بالتوقيت الذي جاءت به فلو استعرضنا تاريخ المنطقة المعاصر فلن نجد أفضل من هذا التوقيت في الشروع بمثل هذا التحرك الذي جاء في اللحظات الحاسمة ليفرض أمرا واقعا راعى فيه المخططون أن الدخول في معركة مع الجيش اليمني في هذه المنطقة وفي هذا التوقيت أفضل بكثير من الدخول في معركة غير مرغوب فيها مع أي قبيلة تأتي وتسيطر على المنطقة لاحقا كما حدث في صعده والجوف وبعض أحياء صنعاء ..

والسؤال الآن : ماهي فرص نجاح المجاهدين في بناء قوة فاعلة في هذه المنطقة والبقاء كذلك ؟



[ جبهة التحدي ]


قبل أن أتطرق لهذه النقطة أود أن أعرج على جزء من مقالة قد كتبتها في شتاء 2009 أي حوالي قبل ثلاث سنوات وكانت بعنوان [ توقيت دخول الشيخ المحارب أسامة بن لادن إلى جزيرة العرب ] وقد جائتني إشارة حينها أن المقالة كانت محل إهتمام بعض القادة في اليمن والذي يهمنا هنا أنني قد ذكرت فيها بعض المتطلبات اللازمة لدخول الشيخ أسامة بن لادن إلى اليمن وبما أننا نتعامل الآن مع حالة تماثلها في درجة الأهمية والخطورة فمن المهم أن نقارن بين ما كنا نتوقعه نظريا وما نحن فيه الآن على أرض الواقع وهل تحركنا الحالي في محافظات أبين جاء نتيجة توازنات معينة قد تحققت على الأرض فسمحت بذلك أم أنها مجازفة عسكرية غير محسوبة العواقب ..


اقتباس من مقالة [ توقيت دخول الشيخ المحارب أسامة بن لادن إلى جزيرة العرب ]

" إن أول خطوة قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الدولة النبوية هي البحث عمن يأويه وينصره فجاءت بيعة العقبة لتكون اللبنة الأولى في ذلك الصرح العظيم ، وبالنظر إلى الخريطة الجغرافية والسكانية في المنطقة نجد أن اليمن هي الأفضل على الإطلاق للقيام بهذه المهمة لما تتمتع به من خصائص من حيث التضاريس ووفرة السلاح وخشونة العيش والطابع القبلي الذي لم يفسده التمدن بعد ، أضف إلى ذلك أن قضية الجهاد هي قضية غير مستغربة في المجتمع اليمني فالناس لم يزالوا قريبي عهد بجهاد الشيوعيين واليمن عموما كانت ومازالت مدد الإسلام على مر السنين ، ولذا فإن أول خطوة لنا في هذا الأمر هي أن نتفحص خريطة القبائل جيدا كما كان يفعل أبوبكر الصديق في تثبته من أمر القبائل التي عرض عليها إيواء ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول لهم : كيف السلاح فيكم ؟

ثم نقوم بالإتصال المباشر معهم عن طريق العلماء والوجهاء والمقربين من أمراء القبائل لشرح أبعاد المعركة مع الحملة الصليبية الجديدة ومسؤوليتهم الدينية والتاريخية تجاه هذا الأمر ثم نعرض عليهم إيواء ونصرة الشيخ أسامة بن لادن على أراضيهم ، يجب أن يؤخذ في الحسبان أن بيعة القبائل للشيخ هي بمثابة بيعة على الموت وليست رحلة صيد أو تأييد سلمي ! .
جاء في السير النبي صلى الله عليه وسلم قدعرض نفسه على "بني شيبان" أثناء بحثه عمن يأويه وينصره فقالوا : إن هذا الأمر الذي تدعوا إليه مما تكرهه الملوك فإن أحببت أن نأويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق ، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه ).

فالحديث ظاهر الدلالة على أن النصرة المطلوبة هي النصرة الكاملة لا أن تقاتل العرب دون غيرهم أو الصليبيين دون المرتدين ، وهي النصرة التي فهمتها الأوس والخزرج عندما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة فقال أسعد بن زراره يومها : مهلا يا أهل يثرب فإن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة وقتل خياركم وأن تعظكم السيوف فأما أن تصبروا على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنكم تخافون فدعوه فهو أعذر لكم عند الله .

بعد أن نأخذ البيعة بهذا الشكل نشرع في المراحل العملية من الخطة وذلك بتجهيز مسرح العمليات واختيار منطقة تصلح للإنطلاق والتمركز ومن ثم تجهيزها بما يلزم حتى تصبح هذه المنطقة مثلث موت لقوات العدو إن فكرت بالإقتراب منه ، ولن يتسنى لنا ذلك إلا بعد ضرب وإخلاء كافة المقار الأمنية والعسكرية في تلك المنطقة بالتحديد ، يجب الأنتباه هنا إلى أن المعركة ليست مع الشعب أو أفراد الشرطة و الجيش لأنهم مع المنتصر دائما ، وإنما المعركة مع النظام الحاكم الذي يقاتلنا بهم وأن أعدادنا لا تسمح لنا بالدخول في مواجهة مع كل هذه الأطراف فيجب التركيز على ضرب أعمدة النظام الحاكم حتى يصبح من الصعب عليه الحفاظ على أعصابه هادئة ويكون لزاما عليه أن يتجاوز كافة الخطوط الحمراء مقابل الحفاظ على وجوده ، فيقوم النظام بالتجرأ على حرمة القبائل والتعدي عليها بالقتل والأسر كما فعل برويز في المسجد الأحمر فيتفجر الوضع تبعا لذلك وهذا ما نحتاجه لضمان إستقرار المنطقة الخاصة بنا " إنتهى الإقتباس .


والآن نأتي إلى مناقشة الأخطار المتوقعة على أرض الواقع والتي ستتركز على الأبعاد الإستراتيجية الثلاثة [ محلية - إقليمية - دولية ] :


1 - الخطر المحلي :
يتمثل في الجيش اليمني وقوات الأمن وميليشيا القبائل الموالية للحكومة ، وبما أن عمليات السيطرة على محافظات جعار وزنجبار وما حولها قد قضت على الوجود الأمني في المنطقة فلم يعد هذا الخطر قائما ، وبما أن قبائل الجنوب قد دخلت على خط الثورة لإسقاط النظام فلم يعد هذا الخط قائما أيضا ، بقي الجيش اليمني الذي انقسم على نفسه مؤخرا ،إذا فنحن أمام نصف جيش يعمل في محيط شبه معادي بسبب حساسية القضية الجنوبية وهذا الجيش يعاني من تدهور شديد في الروح المعنوية نتيجة الثورة على قائده الأعلى ويعاني أيضا من ضعف الإمداد والتموين والدعم نتيجة الضغوط الإقليمية والدولية التي تدفع باتجاه تنحي علي عبدالله صالح ، وهذا الضعف بدا واضحا في عدم مقدرة الجيش على استعادة معسكراته ومخازنه التي استولت عليها القبائل في الجوف وصعدة وغيرها ، ولذلك لجأت قيادة أركان الجيش اليمني إلى الحلول النهائية منذ البداية كاستخدام الطائرات والبارجات في قصف زنجبار وجعار بعد أن فشلت في استعادة المدن بالقوات البرية المتاحة ، ومن ضعف حيلة القوم أنهم قصفوا مخازن المياه في المدن ومحطات الكهرباء حتى يضغطوا على الأهالي ليضغطوا بدورهم على المجاهدين في محاولة لإخراجهم من المدينة ، وهذا التحدي ما زال قائما ، ومن خلال هذه الجولة السريعة على هذا المحور أرى أن دخول قوات المجاهدين إلى جعار وزنجبار قد أتى في مناخ سياسي مناسب وفي ظل معادلة عسكرية يمكن التغلب عليها ولم تكن مجازفة بالمعنى الإنتحاري للكلمة ، وهذا لا يقلل من جرأة عملية فتح زنجبار وروعتها .

2 - الخطر الإقليمي :
يتمثل في دول الجوار وبالأخص السعودية الداعم الرئيسي للحرب على المجاهدين في اليمن وهذا المحور قد اقتصر على الخطر السعودي بعد أن انهارت المنظومة العربية بفعل الثورات العربية ، فلم يعد هناك خطر من إرسال جيوش عربية - كما حدث في تدخل القوات السعودية ضد الحوثيين - أو حتى إرسال تعزيزات عسكرية لأن الجميع الآن مشغول بنفسه ، ومع ذلك حاولت دول الجوار الحفاظ على الإستقرار عبر مبادرتها الخليجية ولكنها لم تنجح ، وفي ظل هذه الصورة لم يعد هناك إلا السعودية التي لا تستطيع أن تتحرك بدون أدواتها الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية والأمن السياسي ، وبما أن هذه الأدوات مشغولة في قمع المظاهرات فلن يتأتى للسعودية لعب هذا الدور وبما أنها لا تمتلك حدودا جغرافية مع الحيز الجغرافي الجهادي في منطقة أبين كما في حدودها مع مناطق صعده التي يسيطر عليها الحوثيون فلن يتسنى للسعودية أن تلعب أي دور منفرد ضد الوجود الجهادي سوى ما يمكن أن توظفه من أنشطة استخباراتية ضد المجاهدين بالتعاون مع القوى الدولية ، وهذا التحدي كان وما زال قائما إلا أن المتأمل في أحداث البحرين الأخيرة وما تلاها يرى أن جهود دول الخليج - المتواضعة - تنصب حاليا تجاه الخطر الأكبر عليها والمتمثل في إيران ، وهذا ما جعل المجاهدين في اليمن خطرا ثانويا عليها ، وفي ظل هذه الصورة أرى أن دخول قوات المجاهدين إلى جعار وزنجبار قد أتى في ظل الجو الإقليمي المناسب لمثل هذا التحرك وأن الوجود الجهادي في هذه المنطقة سيكون بإذن الله في منأى عن المؤامرات العربية لأول مرة في التاريخ المعاصر لأن قطبي المكر العربي " السعودية - مصر " قد أتاهم ما يشغلهم عن أي شيء آخر .

3 - الخطر الدولي :
ويتمثل في أمريكا صاحبة النشاط العسكري العلني الوحيد في اليمن - والمتركزة في قاعدتها البحرية في جيبوتي وقاعدتها الإستخباراتية في جزيرة سوقطرى - إلا أن حال الأمريكان في اليمن كحالهم في باكستان لن يستطيعوا العمل بدون التسهيلات والخدمات اليمنية في مجالي الإستخبارات والمجهود العسكري المساعد ، وبما أنهم يقفون في صف المطالبات بتنحي علي عبدالله صالح فلن يحصلوا على هذا التنسيق كما في السابق ، وقد اقتصرت هذا المحور على أمريكا لأني أعتقد أن منظومة العمل الدولية المتمثلة في مجلس الأمن والأمم المتحدة قد أظهرت تباينا في وجهات النظر حول ليبيا وسورية ، وأظهرت عجزا في إيجاد إجماع دولي على تدخل عسكري في المناطق الحربية المضطربة ، وهذا ما جعل النيتو يذهب منقسما على نفسه إلى ليبيا بينما لم يفعل ذلك مع سورية ولن يفكر في ذلك بالطبع مع اليمن لعدم وجود مصالح مشتركة أو خطر محدق بأوربا كما هو الحال مع ليبيا .

ومع ذلك فالأمريكان لن يتركوا الوضع هكذا بدون معالجة ولو مؤقتة ، وهذا ما سيقودنا إلى سيناريو وزيرستان وحرب الطائرات بدون طيار وهو التحدي المنتظر - خصوصا وأن بطل حربهم " باتريوس " على سدة السي آي أيه وفي هذا إشارة لملامح الحرب القادمة - وهذا بالطبع بعد أن تحكم أمريكا اجراءات حظر الأسلحة والمراقبة البحرية بالتعاون مع الأسطول الدولي المرابط قبالة السواحل اليمنية والصومالية ، وفي تصوري أن هذه الصورة هي أقصى ما تستطيع أمريكا الذهاب إليه في ظل الثورات العربية من جهة وفي ظلال ذكرياتها السيئة في أفغانستان والعراق من جهة أخرى ، وفي إطار مشهد ضعف الدور الأمريكي في المنطقة أرى أن دخول قوات المجاهدين إلى جعار وزنجبار قد أتى في ظل المناخ الدولي المناسب لمثل هذا التحرك الإستراتيجي الخطير والذي سيكون بإذن الله في مأمن من تدخل أي حلف عسكري دولي ضده .


وبعد أن أدركنا طبيعة المخاطر التي تواجه المجاهدين على الأرض أستطيع القول أن المشروع الجهادي في منطقة -أبين- هو مشروع قابل للحياة لأنه أتى وفق الشروط والمتطلبات اللازمة لذلك والتي لم تخل من روح التحدي والتوكل على الله ، إلا أن تحديات ما بعد التمكين قد لا تقل شأنا عن المخاطر السابقة ، ونستطيع أن نجمل أهم التحديات في ثلاثة نقاط :

1 - توفير الخدمات :
النجاح في السيطرة على البلدان شيء والنجاح في إدارتها شيء آخر ، ولذلك تستعين البلدان الإستعمارية بأفضل المستشارين في قطاعي التجارة والأعمال لتولي دفة إدارة البلدان بعد السيطرة عليها ، ولذلك أتى الأمريكان ببريمر كحاكم مدني للعراق وذلك لتجربته الواسعة في إدارة الشركات العالمية الكبرى ، وعندما نتحدث عن إدارة مناطق مثل جعار وزنجبار فإننا لا نقصد مدنا بحجم وطبيعة دبي أو الرياض لأنه في الأولى لا توجد خدمات عالية المستوى سوى الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والهاتف وهذه يمكن بتوفيق الله توفيرها بنفس الكفاءة إن أحسن تدبير الأمور ، أما المدن المترفة كدبي والرياض فلن يرضى الأهالي بغير ما تعودوا عليه من الحياة المترفة في كل شيء ، وهذا من حسن تقدير اختيار منطقة العمل ، فلو استعرضنا خريطة العالم فلن نجد أفضل من أفغانستان والصومال واليمن لتكوين مناطق ودويلات حكم إسلامية فيها لأن طبيعة السكان ومستوى معيشتهم لن يتأثر بالعقوبات والحصار والمقاطعة التي تكون مصاحبة لمثل تلك المشاريع المنبوذة عالميا ، إلا أن السيناريو المتوقع في المنطقة العربية عموما والتي بدت ملامحه تظهر شيئا فشيئا يقود إلى حالة من الإضطراب العام والفوضى العارمة التي ستؤدي بدورهاإلى المجاعات والهجرات الجماعية ، وعندها سيبحث الناس عن أهم خدمة حينها وهي الأمن وسيعطون الولاء لمن يوفرها لهم ، وهنا يأتي دورنا في مرحلة ما بعد - عدن أبين - وهذا عين ما حصل مع حركة طالبان في بداياتها في أفغانستان عندما فرضت الأمن في مناطق حكمها فتسامع الناس بذلك فقاموا بدعوتها إلى ضم مناطقهم إليها مقابل فرض الأمن وإيقاف النهب والسلب والقتل ، ونفس القصة في الصومال مع حركة الشباب المجاهدين . فالأمر يبدأ بتوفير الأمن كسلعة أساسية يستطيع المجاهدين تقديمها ثم يتطور الأمر بعد ذلك ، والتحدي القائم الآن في مناطق أنصار الشريعة هو في إظهار مثال جيد في الأمن ومثال مقبول إلى حد ما في توفير الخدمات الأساسية حتى يتسامع الناس بذلك فتخرج الدعوة منهم بالقدوم إليهم .


2 - الإستقطاب : يعتبر استقطاب الطاقات البشرية الموجودة في المنطقة واستثمارها في الإدارة والتوجيه والبناء من أهم التحديات القادمة فهذه المناطق فيها العلماء والدعاة وزعماء القبائل والأطباء والمهندسين وغيرهم من الثروات البشرية التي يمكن من خلالها تغطية الجوانب الدعوية والإعلامية والبنيوية للمدن والقرى في محافظات أبين ، فالإستقطاب هو مؤشر النمو الحقيقي للحركة أو الجماعة وفي اعتقادي أنه لا أفضل من إدخال بعض تلك العناصر في مجلس شورى مصغر لشؤون المحافظات - إن أمن جانبهم - حتى يتم دمجهم والإفادة منهم في آن واحد ، ويمكن كذلك تكليف بعض الدعاة والأكاديميين بوضع مناهج تعليمية إسلامية لمختلف الفئات العمرية وتشجيع ودعم ذلك حتى يكون بديلا عن التعليم التقليدي ، ويمكن أيضا تكليف بعض العلماء بأمور القضاء والإشراف على القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم أفضل من يراعي أحوال الناس في ذلك ، وتجب الإشارة هنا إلى أن مسألة استقطاب ودمج العلماء تدريجيا بأمور يستطيعوا بذل الوسع فيها هي أهم ما يجب الإهتمام به في هذا الجانب لأنهم ركن من أركان الحكم القويم ولا ينبغي التعنيف على من خالف منهم في السابق إنما هو يوم تقابل في الإسائة بالإحسان كما فعل نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام يوم الفتح ، وهكذا شيئا فشيئا يتم توظيف هذه الشرائح المهمة في دفع عجلة البناء والتنمية ..


3 - الردع : في أي بقعة من العالم يتمثل الأعداء في قسمين عدو داخلي وعدو خارجي ولإسكات كلا النوعين يجب إيجاد قوة ردع عسكري ترغم منافقي الداخل على عدم إظهار نفاقهم وترغم العدو الخارجي على إعادة حساباته والتفكير ألف مرة قبل القيام بأي محاولة للتعدي والإعتداء علينا وقد تأخذ قوة الردع أشكالا متعددة في التعبير عن نفسها كالظهور الأمني المكثف في المناطق المسيطر عليها وعمليات الإغارة خارج مناطق النفوذ وتدريب وتخريج بعض الدفعات العسكرية من أبناء المنطقة .. جميعها دلائل تشير إلى القوة التي يمكن من خلالها إرهاب الأعداء كما في قوله تعالى
{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم } فالقوة المراد تحصيلها هنا هي القوة التي ترهب أعداء الله لأنها وحدها هي التي توجد عامل الردع في نفوسهم ، ولولا أني لا أريد الإطالة هنا لذكرت لكم بعض أساليب الجيش اليهودي في ردع وترويض البلدان العربية فهم أبرع من مارس أسلوب الردع النفسي العسكري ضذ الخصوم .



كلمة أخيرة ..

جاء في الموسوعة البريطانية ، في خصائص الجنس العربي في شبه الجزيرة العربية أنهم ( من حيث التكوين الطبيعي من أقوى وأنبل العروق البشرية في العالم ، فهم جسديا لا يرضخون إلا للقلة من الأجناس البشرية هذا إذا رضخوا لأي منها ، فأما ذهنيا فإنهم متفوقون على معظم أجناس البشر ولا يحد مسيرة تقدمهم سوى النقص الملحوظ في القدرة على التنظيم وعجزهم عن القيام بعمل مشترك ) إنتهى.


موضوع التنظيم والعمل المشترك موضوع مهم ولا غنى لمن رام النجاح عنه وسأبدأ هنا بقصة فتاة مصرية نصرانية قالت أثناء مقابلة تلفزيونية معها أن من نتائج الثورة بالنسبة لها أنها قررت التصويت لجماعة الإخوان المسلمين !! وذلك لأنهم أنقذوها من الموت المحقق على أيدي البلطجية في ميدان التحرير !

وعندما بحثت في الأمر وجدت أن شباب الإخوان تصرفوا ببراعة فائقة في صد هجمات البلطجية المتوالية ، فقد شكلوا حواجز من الخردة على مداخل الميدان الثلاثة وبعدها فريق كامل لرمي الحجارة والرد المباشر وخلفه خط آخر للإسناد واحتفظوا بإحتياطي ضخم من الشباب في وسط الميدان يتم استدعائه حسب الحاجة عند كل مدخل وكانت علامة إستدعاء الإحتياطي ضربات على أواني أو ماشابه تصدر أصوات معينة يأتي على إثرها المدد ! وقد وضعوا لهم مقر قيادة في وسط الميدان ومقر إحتجاز للأسرى ومقر للإسعافات الأولية وفريق لتأمين وتوزيع الحجارة وغيره . .


أما المشهد الثاني فهو ما حصل في ليبيا فمع أن السلاح متوافر وأعداد الثوار لا بأس بها وميزان الكفة العسكرية لا يميل للقذافي بشدة إلا أن الثوار والمجاهدين لم يحققوا أي تقدم عسكري يذكر وبقي الأمر شبه فوضوي ذهاب وعودة على الخط الساحلي دون فائدة !

أنا أدرك أن النيتو يريد الحفاظ على توازن معين ولعله يريد ترويض المجلس الإنتقالي أيضا بجانب تقليم أظافر القذافي ولكني أعتقد أن المعركة يمكن أن تحسم لصالح الثوار بأدواتهم التي يمتلكونها إن أحسنوا تنظيم أنفسهم وكلمة "تنظيم" هي وجه الإختلاف بين المشهد الأول والثاني على اختلاف الظروف وحجمها طبعا .

وما يهمنا هنا أننا يمكن أن نجد أنفسنا في نفس الموقف في مناطق النفوذ الجهادي في اليمن فيكون السلاح متوافر والأعداد ضخمة ولكن التنظيم الجيد مفقود فنقع في نفس المشكلة وهذا من شأنه أن ينفر الناس عنا لأن تلك الأوضاع لا يلتف فيها الناس إلا على القوي القادر على حمايتهم أيا كان ذلك القوي وهذا ما دعا تلك النصرانية لعقد النية على التصويت لجماعة الإخوان !! وهذا ما دعا أيضا أهالينا في ليبيا لطلب التدخل و الحماية من النيتو بعد أن عجز عن توفيرها لهم أهل الثورة ، فالضعيف والذي لا يتمتع بالكفاءة المطلوبة دائما يتم تجاوزة في هذه الظروف الصعبة مهما يكن تاريخه ومهما يكن منهجه ، وأخشى أن المجاهدين أنفسهم ولو كانوا من أهل الخبرة يمكن أن يعانوا من نفس الأمر إن دخلوا بثقافة حرب العصابات في وضع يتطلب تشكيلات نظامية أو شبه نظامية والأمر لا يقتصر على كوادر تستطيع إدارة عمليات عسكرية بل أبعد من ذلك ... وفي ظني أن الجولة القادمة تتطلب أسلوب قتال جديد نتفوق به على قدرات العدو القتالية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدر عندما عبأ قواته بنظام الصفوف ولم تكن تعرفه العرب من قبل لأنها لا تحسن سوى الكر والفر ! وكما فعل خالد بن الوليد يوم اليرموك في نظام الكراديس ، وكما فعل هتلر في الحرب الخاطفة وغيرها كثير ومما قاله اللواء محمود شيت خطاب في ذلك : التاريخ العسكري يحدثنا بأن سر إنتصار القادة العظام كالإسكندر وهانيبال قديما ونابليون ومولتكه ورومل ورونشتد حديثا هو أنهم طبقوا أسلوبا جديدا في القتال غير معروف أو قاتلوا بأسلحة جديدة غير معروفة !.


وبقي أن أقول أن الأمل معقود على المخططين العسكرين في أنصار الشريعة بأن يظهروا مرونة كافية في امتصاص حدة الحملات المضادة بالأساليب العسكرية المناسبة ولن يبقى بعدها قليل ولا كثير حتى تنطلق عمليات الفتح لباقي المناطق بإذن الله تعالى فالشدة الشدة يا أبناء أسامة فهذه الأيام لها ما بعدها وإن كانت تذكرني بشيء فهي تذكرني بقول النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة : ذهب عهد النوم يا خديجة !


عبدالله بن محمد
1/ رجب/ 1432
جزيرة العرب

شموخ الإسلام / الميثاق © 1432-2011